فى غرفة عمليات القلب في مستشفي التأمين الصحي بالمقطم
• كانت ترابيزةُ القسطرة هي التابوتُ الاختياري.. وعتبةُ الغيبوبة
أحتمي بالله : يارب أنا في حماك .. أستدعي الأحياء والأموات في آن واحد .. الأنبياء والصالحين .. آل البيت والصحابة وآل العباءة ..تتلاشي تفاصيل الغرفة... المونيتورات .. "ترابيزة القسطرة".. أصوات المشارط والالآت ..كلها لم تكن مجرد قطع من أثاث طبي بارد، كانت بالنسبة لي هي "التابوت" وأدواته وملحقاته التي أخترتُ أن أضطجع فيه طواعيةً لأواجه حساب دمي.. خشونة اللحظة بل قسوتها تذكرني بصلابة الواقع الذي أحاول الانفلات منه، بينما ضجيج الأجهزة ينسجُ كفناً من التوتر حولي.
هناك، بين الوعي والغيبوبة، تقع "المنطقة الرمادية" الأشد رعباً وعذوبة.. حين يبدأ مفعول المخدر أو حين يبلغ الألم ذروته فيشلك العقل عن الإدراك، تسقط في بئرٍ بلا قاع. لم أكن نائماً، ولم أكن صاحياً.. كنتُ عائماً وهائما وغائما في فضاءٍ هلامي، تصبح أجساد الأطباء مصطفي فايد ومحمد عيسي وحسن مدني وأصواتهم وفريق التمريض ومعاونيهم محمد عبد الجليل وشيماء وايمان ونيفين ونبويه حولي مجرد ظلالٍ تتراقص، وأصواتهم تتحول إلى همهماتٍ كونية غير مفهومة وأنا كالذبيح علي المذبح أرقص رقصة الموت الأخيرة .
في تلك اللحظة، تلاشى "أنا".. لم أعد ذلك الشخص الذي يحمل هموماً سياسية واجتماعية وانسانية لا تحتمل.. لم أعد ذلك الشخص الذي يخاف من الموت.. أو بالأصح لا أدرك حقيقة ما أنا فيه .. كنتُ مجرد "نقطة وعي" وحيدة ، ومفترق لا وعي لا نهائي في ذات الوقت ، روح تتأمل مشهد جسدها وهو يُنتهك ويُصلح في آنٍ واحد.. كانت الغيبوبة الجزئية هي "الهدنة" الوحيدة التي منحها لي قدري وسط المعركة بعد أن سعيت لها هربا وفرارا .. لحظة انعتاقٍ مؤقت من قيد اللحم والدم، قبل أن يعيدني الألم بضربة سوطٍ إلى الواقع الصارم.
• مجهرُ الروح: كاميرا الـ (IVUS) وأسرار الجسد
على شاشة "المونيتور"، التي عادت لتتضح مع إيابي من الغيبوبة، كانت المعركة تُبثُّ حيةً ومباشرة.. وبينما كان العالم يتابع مسارات الصواريخ، كنتُ أتابع مسار كاميرا الـ(IVUS) وهي تخترق عتمة شرياني الرئيسي.. كانت الموجات فوق الصوتية ترسمُ تضاريس موتي ونجاتي، شريانٌ مكبلٌ بالتشابكات، وأجزاءٌ مدفونة تأبى الكشف عن سرها.
رأيتُ الاستشاري د. منصور فاروق يترك غرفة التحكم والمراقبة والتوجيه والارشاد وهو ينزل الي ساحه المعركة بنفسه حين أدرك عظم الخطر والهجوم ، نزل للساحة كجندى يدافع عن الأرض من عدو يهاجم بضراوة، يتحول د. منصور إلى "ناحتٍ" لتمثالِ البقاء.. يرشده فريق هندسي مع جهاز خاص لكاميرات فوق الصوتية ..رأيتُ عرق الفريق الطبي يتصببُ رغم برودة القاعة واعاصير الخارج ، وكأنَّ حرارة المعركة ولهيبها في صدري قد انتقلت إليهم.. هؤلاء الغرباء، الذين لا يربطني بهم عهدٌ قديم، صاروا في لحظةٍ واحدة هم "الحاضنة الأمينة " لنبضي وشرايني ... كانوا يرممون حطامي بأصابع ترتعشُ مسؤوليةً، ويواجهون إعصاري بصلابةٍ أسطورية. ساعتان ونصف من "الحرب الخاطفة" التي تحولت إلى "حرب استنزاف" بدلا من حرب لا تستغرق في العادة نحو نصف الساعة ، حتى استقرت الدعامات الثلاث كأعمدةٍ ترفعُ سقف روحي الآيل للسقوط.
*الوجع مَعدّاشِ فَوقي.. ده حَفَر جُوّه الشرايين
مازال الصراخ يتفجرمن الصدر كالبراكين .. قلت : يا ربّي "كفاية".. سيبني أمشي لبرّ تانـي..بسّ إيد الغُرب ومَحبّتهم.. هيّ اللي رَجّعتلي زمانـي
• رياحُ ما بعد المذبحة: ثمنُ النجاة ..خرجتُ من الغرفة، لكن المعركة لم تضع أوزارها.. 48 ساعة من "رياح الألم" العاتية، كما تنبأ العرّاف"الطبيب" .. ألمٌ لا تكسرُ حدّته عقاقيرمسكنة أو مهدئة ، ولا يتوقف الصراخ وان كتمته ، 12 ساعة من السكون القسري، حيث يتوحد الجسد مع السرير في عناقٍ مؤلم..لا فكاك منه كنتُ أسمعُ صوت المطر في الخارج، وأشعرُ بزواحف الخوف تتسلل إلى داخلي، لكنني كنتُ مكبلاً بقدري الجديد..
..كان الألم الجسدي أقصد الصدري في تلك الساعات لا يحتمل، هون علي وخفف الوجع دعاء مجموعه من الاداريين والسكرتارية والخدمات المعاونه بلا سبب أو هدف ، منهم فاطمه ونيرمين وهاله وشريف وغرام .. سألت نفسي يارب : هل هذا هو "التطهيراليوناني" " . ..هل هذه النار التي تصهرُ الدعامات لتصبح جزءاً من كياني... هل الألم نتيجة محاولة من القلب ليتعلم كيف ينبضُ بـ "قطع غيار" غريبة عنه، محاولة منه وكيف يتصالحُ مع فكرة أنه لم يعد قلباً بكراً، بل قلباً مجروحاً ومُرمماً بالحب والتكنولوجيا والارادة.
• *فلسفةُ الإياب: العودةُ من البرزخ
أن تقترب من الموت ثم تعود، يعني أنك وُلدت بذاكرةٍ مثقلة. العالم الآن يبدو لي مختلفاً؛ الصراعات السياسية، الصواريخ الباليستية، ضجيج القوى الكبرى.. كلها تبدو "هباءً" أمام تلك اللحظة التي كنتُ فيها أتوسلُ نَفَساً واحداً من دون طعنة خنجرٍ في صدري
..النجاة ليست مجرد بقاء على قيد الحياة، بل هي إدراكٌ لمدى هشاشتنا، ومدى عظمة الخالق في آنٍ واحد. نحنُ كائناتٌ تُرممها "الأيادي الغريبة" في غرف العمليات الباردة، لنعود ونواجه إعصارات الحياة بقلوبٍ تحملُ في طياتها "ثلاث دعامات" من الصمود، وذاكرةً لا تنسى طعم الحافة، في الوقت الذي لا تدرك فيه عظمة الخالق الذي أبدع كل شئ ودون ان ينتظر من خلقه كلمة شكرا يارب .
نعم هدأت الأمطار في المقطم، وتوقفت الصواريخ عن التحليق مؤقتاً بهدنه مصطنعة ، أما أنا.. فقد صرتُ أعرفُ يقيناً أنَّ "هناك" الذي كنتُ أتمناه في لحظة الوجع، لا يزال ينتظر، لكنَّ قلبي المسكون بالغرباء والمواجع أختار أن يكمل الرقص وسط الإعصار!!
هوامش
## لن نتقدم.. لن نتقدم
بل لن تكتب لنا الحياه والاستمرار في الفترة القريبةجدا ان لم يكن لدينا ما يكفينا من العلم !!
العلم ..العلم ..العلم ..!!
اهتموا بالتعليم حتي ننجو..!!
اهتموا بالتعليم والبحث العلمي حتي تنقذوا هذا الوطن ..!!
اهتموا بالتعليم والبحث العلمي لأنه لا مفر منه إذا كنا نريد الحياه..!!
العلم هو الضروره لكي نتنفس ونأكل ونحيا في الايام الباقية..!!
الإنفاق علي البحث العلمي والتعليم ليس رفاهية لأنها حياة أو موت ..!!
العلم أهم حتى من الطعام الذي لن نجده في الغد مع الماء والهواء.. بدون العلم.. ستحتل الأوطان وسنقتل جميعا بل سنباد عن أخرنا إذا لم يكن لدينا من العلم ما يكفي للبقاء..!!
## قد تربحون اليوم..
لكنكم ستخسرون في الغد ..وبعد الغد
والى الأبد..!!